ابن أبي الحديد

73

شرح نهج البلاغة

الأسلاف الذين قد انغرس في النفس تعظيمهم ، ومالت القلوب إلى تقليدهم لحسن الظن بهم . ثم قال : ( أقرب بقوم ! ) أي ما أقربهم من الجهل ! كما قال تعالى : ( أسمع بهم وأبصر ) ( 1 ) أي ما أسمعهم وأبصرهم ! . فإن قلت : قد كان يجب أن يقول : ( وأقرب بقوم قائدهم معاوية ومؤدبهم ابن النابغة من الجهل ) فلا يحول بين النكرة الموصوفة وصفتها بفاصل غريب ، ولم يقل ذلك ، بل فصل بين الصفة والموصوف بأجنبي منهما ! . قلت : قد جاء كثير من ذلك ، نحو قوله تعالى : ( وممن حولكم من الاعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق ) ( 2 ) في قول من لم يجعل ( مردوا ) صفة أقيمت مقام الموصوف ، لأنه يجعل ( مردوا ) صفة القوم المحذوفين المقدرين بعد ( الاعراب ) وقد حال بين ذلك وبين ( مردوا ) قوله : ( ومن أهل المدينة ) . ونحوه قوله تعالى : ( أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ، قيما ) ( 3 ) . فإن ( قيما ) حال من الكتاب وقد توسط بين الحال وذي الحال ( ولم يجعل له عوجا ) والحال كالصفة ، ولأنهم قد أجازوا : ( مررت برجل - أيها الناس - طويل ) ، والنداء أجنبي ، على أنا لا نسلم أن قوله : ( من الجهل ) أجنبي ، لأنه متعلق بأقرب ، والأجنبي مالا تعلق له بالكلام .

--> ( 1 ) سورة الكهف 26 . ( 2 ) سورة التوبة 101 . ( 3 ) سورة الكهف 1 ، 2 .